حين يصبح العلاج امتيازًا… مَن يحمي الفئات الأشد ضعفًا؟

حين يصبح العلاج امتيازًا… مَن يحمي الفئات الأشد ضعفًا؟
الحلقة الثانية
ليس الفقر وحده ما يهدّد حياة المريض، بل أن يتحوّل العجز عن الدفع إلى عائق أمام العلاج، أو أن تصبح استمرارية الرعاية مرهونة بقدرة الأسرة على تأمين مبلغ لا تملكه. وفي بلد تتراجع فيه قدرة الأسر على تحمّل نفقات الحياة الأساسية، يصبح السؤال الصحي سؤالًا اجتماعيًا وتشريعيًا وأخلاقيًا في آن واحد: من يحمي من لا يستطيع دفع فاتورة مرضه؟
مَن هم الأكثر عرضة للخطر؟
في مقدمة الفئات التي تستدعي تحركًا عاجلًا، يأتي مرضى السرطان الذين يحتاجون إلى علاجات متخصصة ومكلفة، وقد يؤدي التأخير في بعضها إلى تدهور الحالة أو تقليص فرص العلاج. يليهم المرضى النفسيون والعقليون المقيمون في مؤسسات رعاية، الذين قد تعتمد سلامتهم واستقرارهم على استمرار الدواء والمتابعة والإقامة المتخصصة.
ثم تأتي فئات أخرى لا يجوز أن تُترك خارج شبكة الحماية: مرضى غسيل الكلى، وأصحاب الأمراض المزمنة والمستعصية، ومنهم مرضى التلاسيميا والهيموفيليا والتصلّب اللويحي، وكبار السن في دور الرعاية، والأشخاص ذوو الإعاقة الذين يحتاجون إلى علاج أو متابعة أو أجهزة مساعدة، فضلًا عن المؤسسات الرعائية نفسها التي تتحمل أعباء متزايدة في ظل ارتفاع كلفة التشغيل.
إن ذكر هذه الفئات لا يعني أن جميعها تعيش الظروف الطبية نفسها، ولا أن حاجاتها قابلة للمقارنة حسابيًا. فمريض السرطان قد يحتاج إلى علاج لا يحتمل التأخير، ومريض غسيل الكلى يحتاج إلى جلسات منتظمة، والمريض النفسي المقيم قد يتعرض للتدهور إذا انقطعت الرعاية أو نُقل من بيئته من دون خطة طبية مناسبة. ولكل حالة تقديرها الطبي، لكن جميعها تحتاج إلى نظام تمويل لا يجعل المال وحده معيار الوصول إلى العلاج.
فجوة في التغطية
تُظهر المعلومات المنشورة على موقع المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن نقص التمويل أدى إلى توقف المفوضية عن تقديم الدعم الاستشفائي المباشر للاجئين في لبنان ابتداءً من الأول من كانون الأول 2025. كما تذكر أن دعمًا محدودًا قد يتوافر للاجئين وللمجتمعات اللبنانية عبر مستشفيات حكومية متعاقدة، بحسب التمويل والأهلية، ويركز على الحالات المنقذة للحياة والولادة والعناية الفائقة لحديثي الولادة والأطفال.
لكن البرنامج المحدود لا يغطي، وفق الشروط المنشورة، علاجات مزمنة وطويلة الأمد مثل السرطان والعلاج الكيميائي والإشعاعي وغسيل الكلى المزمن. ولا يعني ذلك أن كل مريض في لبنان محروم من كل تغطية أو مساعدة؛ فقد توجد برامج وجهات أخرى. لكنه يكشف فجوة جدية تستحق أن تسأل الجهات المعنية عن حجمها، وعدد الحالات التي لا تجد جهة تغطي علاجها، وما البدائل المتاحة لها.
أما برنامج «أمان»، فهو أداة للمساعدة النقدية للأسر الأكثر هشاشة، وليس برنامجًا لتغطية الاستشفاء أو كلفة الإقامة الطويلة في المؤسسات الرعائية. وقد تراجع عدد الأسر المشمولة به بعد مراجعة الاستحقاق من نحو 163 ألف أسرة إلى 128,474 أسرة وفق الأرقام المتاحة عن المرحلة الجديدة. وكانت نحو نصف مليون أسرة قد سجّلت في البرنامج عام 2022، لكن التسجيل لا يعني أن جميع المسجلين أصبحوا مستفيدين.
وفي طرابلس، تشير الأرقام المتاحة إلى انخفاض عدد الأسر المستفيدة من 14,619 إلى نحو 13,911. وهذه الأرقام تستحق المتابعة، لا لأن كل أسرة خرجت من البرنامج أصبحت بالضرورة بلا مساعدة، بل لأن من المهم معرفة أسباب الخروج، وعدد الأسر التي لا تزال بحاجة إلى الدعم، والبدائل المتاحة لها.
لماذا نحتاج إلى مسار تشريعي؟
إن المناشدات الفردية قد تساعد مريضًا أو أسرة، لكنها لا تنشئ ضمانًا مستدامًا. كما أن الاعتماد على التبرعات وحدها لا يكفي لتغطية حاجة وطنية متكررة. المطلوب إطار تشريعي ومالي يحدد من يستحق الحماية، وكيف تُموّل، ومن يراقب الإنفاق، وما الذي يحدث حين تتراكم المستحقات على مؤسسة ترعى مريضًا لا يستطيع مغادرتها بأمان.
ومن هنا، أقترح فتح نقاش نيابي حول إعادة التغطية بنسبة 100% للحالات التي كانت تستفيد من التغطية الصحية الكاملة قبل الأزمة، ضمن شروط استحقاق واضحة ومحدّثة، وإنشاء صندوق مخصص للحالات الصحية الحرجة، يضمن التمويل واستمرارية العلاج بدل الاكتفاء بمنع الإخراج أو وقف العلاج من دون توفير الموارد اللازمة.
مسودة مقترح تشريعي للنقاش والتبنّي النيابي
تحتاج هذه المسودة إلى مراجعة قانونية ومالية قبل اعتمادها أو تقديمها رسميًا.
المادة الأولى: الهدف
يهدف القانون المقترح إلى حماية استمرارية العلاج والرعاية للحالات الصحية الحرجة والأشد ضعفًا، وإعادة التغطية بنسبة 100% للحالات التي كانت تستفيد من هذه التغطية قبل الأزمة، وفق معايير استحقاق واضحة، وبعد التحقق من التغطيات الأخرى المتاحة ومنع ازدواجية التمويل.
المادة الثانية: إنشاء صندوق الحالات الصحية الحرجة
يُنشأ صندوق مخصص لتمويل الحالات الصحية الحرجة والرعاية الضرورية طويلة الأمد التي يثبت عجز المريض أو أسرته عن تحمل كلفتها، بما يشمل العلاجات المنقذة للحياة، والعلاجات المزمنة التي يؤدي انقطاعها إلى خطر جدي، والرعاية النفسية المتخصصة والإقامة الضرورية حين يثبت طبيًا واجتماعيًا تعذر البديل الآمن.
المادة الثالثة: معايير الاستحقاق
تُحدّد الأولوية وفق معايير موضوعية تشمل خطورة الحالة، واحتمال الوفاة أو التدهور عند التأخير، وغياب البدائل العلاجية والتمويلية، وعجز المريض عن تأمين الرعاية بنفسه، وضرورة استمرارية علاج الحالات المزمنة. ويُراعى التقييم الطبي والاجتماعي لكل حالة، ولا يُعتمد ترتيب جامد يحرم حالة عاجلة من المساعدة لمجرد انتمائها إلى فئة أخرى.
المادة الرابعة: مصادر التمويل
تتكون موارد الصندوق المقترح من سلة تمويل متعددة المصادر، تشمل اقتطاع نسبة تُحدَّد بعد الدراسة القانونية من رواتب النواب والوزراء ومخصصاتهم ومعاشاتهم التقاعدية حيث يسمح القانون بذلك، وخفض النفقات العامة غير الضرورية، بما فيها نفقات المواكب والسيارات والسفر والضيافة، وإعادة ترتيب الاعتمادات وفق الأولويات، إضافة إلى الهبات والمساهمات التي تُقبل وفق قواعد الشفافية والرقابة.
ولا يُقترح اعتماد أي اقتطاع من الرواتب أو المعاشات بوصفه نافذًا تلقائيًا؛ بل يحتاج إلى تحديد الجهة المختصة والأساس القانوني وآلية التنفيذ، مع تقدير مالي منشور لموارد الصندوق وكلفته المتوقعة.
المادة الخامسة: حماية استمرارية الرعاية
لا يجوز أن يؤدي النزاع المالي وحده إلى إخراج مريض نفسي مقيم أو وقف علاج مريض سرطان أو أي علاج ضروري آخر، قبل تقييم طبي واجتماعي يحدد مخاطر الانقطاع والبدائل الآمنة. ويقترن هذا المبدأ بتمويل الصندوق وتسوية المستحقات وفق آلية واضحة، حتى لا يتحول إلى التزام غير ممول يحمّل المؤسسات الرعائية أعباء لا تستطيع الاستمرار فيها.
المادة السادسة: الرقابة والتطبيق
تُنشر تقارير دورية عن موارد الصندوق ومصروفاته وعدد الحالات المستفيدة وتوزيعها الجغرافي، مع حماية البيانات الطبية والشخصية. وتصدر المراسيم التطبيقية خلال ثلاثة أشهر من نفاذ القانون، بعد تحديد الوزارات والجهات المسؤولة عن التنفيذ والتدقيق.
الأسباب الموجبة
يأتي هذا المقترح استجابةً لتراجع قدرة الأسر على تحمل تكاليف العلاج، وللفجوات التي ظهرت في تغطية بعض الحالات الصحية الحرجة والمزمنة، ولضرورة حماية استمرارية الرعاية من أن تصبح رهينة العجز المالي. كما يهدف إلى وضع إطار تمويل ورقابة يوازن بين حق المريض في الرعاية، وقدرة المؤسسات على الاستمرار، ومسؤولية الدولة عن تنظيم الحماية الصحية.
هذه مسودة أولية للنقاش، وليست نصًا قانونيًا نهائيًا؛ فهي تحتاج إلى تدقيق اختصاصات الجهات العامة، ومصادر التمويل، وأثر الاقتطاعات المقترحة، وتوافق المواد مع التشريعات النافذة.
من الفكرة إلى التبنّي
المطلوب من نواب طرابلس والشمال، ومن لجنة الصحة النيابية، فتح نقاش عملي حول هذه المسودة، وتكليف مختصين قانونيين وماليين وطبيين بمراجعتها، ثم تبنّي نائب أو أكثر لها وتقديمها وفق الأصول الدستورية والتشريعية.
فالمواطن يستطيع إعداد ورقة ومقترح ومذكرة ومناصرة علنية، لكنه لا يقدّم اقتراح قانون بصفته مواطنًا عاديًا إلى المجلس النيابي بالطريقة نفسها التي يتبناها فيها نائب أو جهة مخوّلة قانونًا.
في الحلقة الثالثة، ننتقل من واجب الدولة والقانون إلى واجب التضامن المجتمعي، ونتوجه إلى أصحاب الأموال في لبنان والمهجر: كيف يمكن للمساهمة الموثوقة والموثقة أن تنقذ مريضًا ينتظر يدًا تمتد إليه؟
أحمد خالد ستيتة
رئيس جمعية عينا المدينة اللبنانية
مدير تحرير منصة عشرة – 10lebanon.com
